لم أندم على ترك حارة اليهود،
بل لم أندم على ترك مصر كلها حين جأتنى الفرصة.
اتت فرصة السفر لليابان كمخططا من مخططات القدر
لم أتوقعه أو أتخيله من قبل .
جاءت مع صديقتها ضمن أحد الأفواج السياحيه لزيارة مصر ،
و عرج الفوج إلى منطقة الحسين و خان الخليلى من أجل التسوق فى
السوق القديم هناك ، أخذتا الطالبتان اليابانياتان اللتان كاناتا تقيمان فى
أمريكا للدراسه و تحينا فرصة العطلة الدراسية للسفر مع فوج سياحى إلى مصر
التجول فى السوق الضيق و المتعرج و المذدحم بمحلات الهدايا التذكارية،
و التى بدورها إكتظت بأوراق البردى و المنتجات الجلدية و العطور و المشغولات
الذهبيه و خلافها.
أخذاتا السير فى شارع الموسكى حتى بلغنا حارة اليهود ،
دخلا حارة اليهود بعد أن تحدث إليهما أحد العاملين بمحل بيع عطورمن أجل
أن يبيع لهم بعض العطور من متجره و هناك كنت أقف أمام متجر أبى مع
خالد المنصورى إبن رزق المنصورى صديق أبىوصاحب المتجر المجاور.
نظرت إليها، جميله! العيون السوداء الأسيويه،
حادة لها بريق خاص يدل على نباهتها،
وجه كبير و مستدير،
شعر أسود ناعم و طويل
كانت ترتدى سروال جينز فاتح اللون و تيشرت أحمر،
على الفور غمزت لها بعينى اليسرى،
لمحت الغمزه، وبحركة رد فعل سريع بادلتنى بغمزه من عينها اليسرى أيضا !
دخلت إلى محل العطور،هى و صديقتها، تبعتها إلى هناك
و بدأت أتحين الفرصه للحديث معها. بادرت هى بسؤالى،
و هى جالسه فى متجر العطور الصغير بينما كنت أقف أمام باب المتجر،
Fat's your name ، أجبتها Excuse me ، لم أفهم سؤالها،
كررت السؤال،
أخيرآ تنبهت أنه ربما أرادت أن تسألنى What's ،
أجبتها سيد، إسمى سيد، وانت؟،
قالت جين و هذه صديقتى يوكو؛
و هذا صديقى خالد، أخبرتهم.
سألتها من أى البلاد أنت؟
قالت لى خمن!
قلت لها، كوريا؟
قالت لا،
حسنآ الصين؟ لا،
كوريا الشماليه؟
تغيرت ملامح وجهها قليلا !
لا أظنكما من اليابان؟!
بل نحن من اليابان، أجابتنى،
أخذنا نضحك و نتبادل الحديث عن اليابان و عن مصر
و عن كاليفورنيا بأمريكا حيث تقيمان هناك لدراسة اللغة الإنجليزية ،
دعوتهماللعشاء سويا فلبتا الدعوه و تعشينا سويآ ،
كباب و كفته، فى ميدان الحسين،
أعجبهم الطعام، إتفقنا على اللقاء فى اليوم التالى.
ذهبنا سويا إلى قلعة صلاح الدين و جبل المقطم
و جاء موعد عودتهم إلي أمريكا تواعدنا على أن نستمر فى المراسله.
عادت إلى أمريكا؛
ظهرت نتيجة الإمتحانات
و نجحت بتقدير جيد و تخرجت من الجامعه
و بدأت أعد نفسي للسفر و تحقيق حلم الطفولة
و لكن كان علي أن ألتحق بالخدمة العسكرية ،
ذهبت إلي مركز التجنيد لإجراء الفحوص الطبية
وتم تجنيدى بقوات الدفاع الجوى
و على الفور بدأت الإستعداد لفترة التدريب لمدة ٤٥ يوماً
فى معسكر الدفاع الجوى بدهشور جنوب محافظة الجيزة .
و من ثم إلى قاعدة الدفاع الجوى بالمنصوره،
و هناك إستقبلنى قائد القاعدة حنفى عبد القادر الشريف إبن عمى
و الذى أحسن إستقبالى و طلب منى العودة من حيث جئت !
و عندما أخبرته بأني أريد أن استكمل فترة خدمتى العسكرية
فى الكتيبة مثل أي مجند أخر أخبرني بأنه لا داعي و لا حاجة لذلك
و أنه سيتعين عليالسهر في خدمات الحراسة و الأعمال الأخري الشاقة
و أخبرته بإستعدادي لهذا لكنه أصر علي رحيلي و أنه لن تكون هناك
ضرورة لذهابي للكتيبة حتي ميعاد إستلامي شهادة إنهاء الخدمة
و قد كان ذلك فكان ما قضيته بالفعل في الخدمة العسكرية
ما يقارب من الشهرين من أصل خمسة عشر شهراً
. هكذا كانت تدار البلاد،
الوساطة و المحسوبية لم تكن إستثناءات
و لكنها كانت القاعده و العرف السائد.
خمسة عشر شهراً مروا بسرعه كانت جين قد جاءت خلالها لزيارتي
في مصر مرات عديدة توطدت فيها علاقتنا
و في إحدي زياراتها تحدثنا عن إمكانية سفري للدراسة في اليابان
و تدريجياً أخذ الموضوع طور الجدية إلي أن جاء اليوم الذي تلقيت فيه
رسالة منها تفيد بأنها إستطاعت تقديم أوراقي في إحدي معاهد
دراسة اللغة اليابانية و لمدة عام في المدينة التي كانت تقيم فيها،
مدينة ميازاكي و التي تقع في جزيرة كيوشو بجنوب اليابان.
بالطبع كان وقع الخبر علي كبيراً و لم أكن أصدق بأن
حلم السفر القديم بات في متناول اليد.
لم أكن متاكداً او مطمئناً بأني سأسافر
كنت دائماً متخوف
خاصة و أن عقلي الباطن كان محتلاً بذكريات حزينة منذ الطفولة ،
كان شريط العشرين عاماً يمر بمخيلتي
منذ الغارة الجوية و صدي زمارة الخطر،
بكاء و صريخ أم جرجس،
شبح المرأة المخيف خلف أختي سهام،
سقوطي أثناء محاولتي النزول من الترام قبل وقوفه،
مظاهرات الجامعة و قسوة الأمن في التعامل معنا،
سهرات الأنس لأبي و أصدقاءه و تعاطي المخدرات و حملات الشرطه،
معارك حارة اليهود ، حجز قسم الجماليه،
كانت الزكريات الحزينة في تلك الأعوام العشرين كافية لأن
تجعلني أتردد و أتشكك في قبول أنباء الفرح و السعادة ،
و رغم ذلك كان الحلم بداخلي لا يزال كبيراً
و كان الأمل لا يزال يشع بداخلي.
في خريف عام ١٩٩٢،
و قبل سفري بإسبوع
قابلت إبراهيم ، ذهبنا لتناول العشاء سوياً في ميدان الحسين ،
كوارع بالفته في مطعم العهد الجديد
، ثم جلسنا في مقهي الفيشاوي العتيق ،
طلب كلانا شاي و شيشة و أخذنا نتبادل الحديث.
أخذ إبراهيم يسرد لي مسلسل الحظ العاثر
علي حد قوله
و الذي صادفه في السنوات الأخيرة،
و قد بدأ ذلك برسوبه لمدة عامين أثناء دراسته الجامعية
في قسم علم النفس بكلية أداب عين شمس،
إلا أن هذا لم يثن من عزيمته كما أوضح لي
إلا أن الطامة الكبري وقعت عندما بدأ مدربه في فريق كرة القدم أنذاك،
أنور سلامه، بإضطهاده و عدم الزج به في المباريات !
و حاولت أن أفهم من إبراهيم لماذا كان يضطهده المدرب
و ما أسباب هذا الظلم و الإجحاف. حاول إبراهيم أن يبرر موقفه بعدة حجج
إلا أنه بدا لي و من خلال حديثه بأن الذيادة المفرطة في وزنه مؤخراً
ربما كانت العامل الرئيسي لإستبعاد المدرب له من المباريات،
و لما حاولت أن ألمح له بهذا ثار بشدة و أعترض!
و في الحقيقة كنت أعتقد بأن ابراهيم لم يكن يحب أن يواجه مشاكله
وإنما كان دائماً يحاول البحث عن الأعذار و الحجج المختلفة،
ربما لم يكن يحب أن يري نفسه مخطئاً لذا كان يضع التبريرات المناسبة
وقبل أن يطرحها علي الأخرين كان هو نفسه أول من يصدقها و يقتنع بها.
إنتهينا من الشاي و الشيشه، ودعته بعد أن تواعدنا علي المراسلة،
و بعد أيام قليلة
كنت علي متن طائرة مصر للطيران المتجهة من القاهره إلي طوكيو.